أقلام مبعثرة

عندما كانت ثانويات الجزائر مراكز سرية للتعذيب

هل تعلم أنه تم استخدام الثانويات والمعاهد كمراكز سرية للإعتقال والتعذيب خلال الثورة التحريرية المضفرة؟ انه شيء موجود  ولا بد من الاقرار به، حيث تم استخدامها لهذا الغرض واستغلال شغورها في العطل الصيفية لتتحول إلى مراكز احتجاز وتعذيب وحشي من قبل الكولونال بيجار والجنرال ماسو، حيث كانوا يمارسون أبشع عمليات الاستنطاق في حق الفدائيين والمجاهدين الذين يقعون في قبضتهم.

 

ثانوية “المقراني” مركزا للتعذيب

ونقل الصحفي الراحل رابح بن يوسف شهادة عن وحية الاستعمار، الذي حول ثانوية بن عكنون “المقراني حاليا” بالعاصمة كان مركز تعذيب سري يكتسي الشرعية من قبل السلطات الفرنسية، وكانت هذه الثانوية تستخدم كمركز انتقاء بحسب القانون المؤرخ في شهر أفريل 1957، وليست هي المكان الوحيد الذي حول لهذا الغرض ، حيث كانت كثير من الثانويات تستخدم كمراكز احتجاز و اعتقال سرية بداية من جانفي 1957 وتحت امرة الجيش الفرنسي. وكان الغرض منها الهروب من طائلة المحاكم المدنية التي كانت أحيانا تبرأ المتهمين بدعوى عدم كفاية الأدلة او لوجود محامين للدفاع عنهم بشكل جيد.

في صيف 1957 تم اعتقال بن يوسف رابح تم اعتقاله بثانوية بن عكنون ، والذي كان يديره المظليين الفرنسيين والقبعات الخضر، وذلك بعد اعتقاله في بيته الكائن بحي سانتوجان، نتيجة التحاق شقيقه الأكبر بجبهة التحرير في سنة 1956. تم اقتياد بن يوسف إلى مدرسة متواجدة بمدخل حي الأبيار، وبعد جلسة تعذيب واستنطاق تم تحويله إلى ثانوية بن عكنون، ومنه إلى معتقل بني مسوس، وبعدها إلى معتقل “الماريشال” ليتم في النهاية اطلاق سراحه بعد أشهر من الاعتقال.

حول العسكر الفرنسيين الاقامة الخاصة بطلبة الثانوية إلى مركز فرز و اعتقال، وكانت هذه الثانوية مركز فرز وكانوا يجمعون من 40 إلى 50 شخص في القاعة الواحدة، وينامون أرضا بلا أفرشة ولا أغطية، وكانت تلك القاعات بها نوافذ مسيجة بشبابيك تطل على حديقة مسيجة هي الأخرى بالأسلاك الشائكة.

قاعات لإعتقال النساء

كانت هناك قاعات في الثانوية للاعتقال مخصصة للنساء. ذكر بن يوسف بأنه تم اعتقال المطربة فضيلة دزيرية وشقيقتها قوسم ولطيفة اللواتي كن عضوات بفرقة مريم فكاي التي كانت تضم مناضلات في صفوف جيش التحرير الوطني من بينهم زهرة عاشور الملقبة بـ ” عويشة”. ويذكر هنا بن يوسف رابح ما أدلت به فاطمة بايشي من شهادة لكتابه “نساء في حرب الجزائر” ، حيث ذكرت بايشي بأنها هي وجميلة عمران تم اعتقالهن ، وكن 40 امرأة متجمعات في مرقد الثانوية بلا أغطية ولا أفرشة، ولا حتى وسادات.

في خريف 1957 انتشرت عدوى الزكام الآسيوي ، فتم حقن المعتقلات كالخرفان، وتذكر بايشي بان المعتقلات كان لهن الحق في الذهاب للاستحمام مرتين في الأسبوع في حمامات بلا أبواب، وأحيانا كن يحرمن من الأكل لأيام ، وفي وقت من الأوقات كن يجبرن على تناول أكل فاسد مما تسبب في حدوث تسممات وأمراض مست المعدة والكبد، وحدوث حالات اسهال حاد.

لم يكن للمعتقلات وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي، وكل ما كان يصلهم من أخبار كانت تصلهم من المعتقلات الجدد اللواتي كان يجيئ بهن وهن تحملن آثار التعذيب الوحشي، وكن محرومات من الزيارة.

وكان غالبا ما يجيئ بالوشاة الذين كان العسكر يجيئون بهم إلى هذا المعتقل من أجل الكشف عن الفدائيين، وكان هؤلاء العملاء يغطون وجوههم بأكياس حتى لا يتم التعرف إليهم كانت الأوضاع تتشابه بين معتقل ثانوية بن عكنون ومركز الماريشال “بتادمايت”، ولكن الاختلاف الوحيد هو حضور برلمانيين وسياسيين لزيارة المعتقلين ويتم اقامة معارض يحاول من خلالها هؤلاء تبديد صورة ” المستعمر” وتجميلها .

تم إعتقال بن يوسف رابح لثلاث مرات متتالية نتيجة احتجاجه على طريقة المعاملة الوحشية للمظليين، وتم اطلاق سراحه بعد تدخل صديقه مراد كواح الذي كان من مؤيدي “الجزائر فرنسية”، لم يستطع بن يوسف متابعة مشواره الدراسي، حيث تفاجئ بعد اطلاق سراحه في 1958 بفصله من مدرسة “غيلمان” مدرسة “عقبة” حاليا، فقد كانت السنة الدراسية قد انطلقت وتأثرت باضرابات 1956 و 1957 مما جعله يحرم من الدراسة التي تابعها بعد الاستقلال.

حتى جوان 1956 عمل بن يوسف رابح كصحفي بجريدة “الجزائر جمهورية”، كما عمل اطارا بشركة “سونيباك”، وافته المنية في 30 مارس من السنة الحالية عن عمر ناهز 78 عاما.

 

حول الكاتب

بوخلاط نادية