أقلام مبعثرة

كيف سرقت فرنسا حديد الجزائر لصناعة “برج إيفل”؟

الكاتب مريم مسعودي

تطلب صناعة “برج إيفل” الذي يعتبر فخر الفرنسيين،  10100 طن من الحديد، فمن أين تحصلت فرنسا عليه؟ طبعا لا يمكنها الحصول على ثروة مثل هذه إلا من الجزائر وبالتحديد من مليانة.

بدأت القصة بعد 59 سنة من احتلال فرنسا للجزائر، عندما جاءت فكرة بناء “برج إيفل” الشهير بمناسبة الذكرى المئوية للثورة الفرنسية سنة 1889، واستضافة باريس للمعرض العالمي على أن يكون البرج مدخلا للمعرض.

في 1886 وقع وزير التجارة والصناعة الفرنسي آنذاك إدوارد لوكراي أمرا بفتح المناقصة وقدم أزيد من 100 فنان مخططات للتنافس على بناء نصب تذكاري وسط باريس ليكون رمزا لفرنسا في العالم، وتم منح شرف بنائه للشركة الإستشارية للبناء التي يملكها المهندس المعماري والخبير الكسندر غوستاف إيفل سنة 1887، والذي استلهمه بشكل كبير من معرض “فيتوريو ايمانوال 2” في وسط ميلانو المتميز بهندسته المعدنية.

وضع إيفل تصميم البرج بارتفاع 324م ليكون بذلك أطول برج في العالم، ونظرا لطوله وتصميمه المتفرد وطلبا لتميزه عن باقي المباني المعروفة، اختير الحديد لتشييده، ولكن كان يتوجب أن يكون الحديد مطاوعا وذا جودة عالية وليست أي نوعية من الحديد تفي بالغرض.

ولتنفيذ المشروع كانت فرنسا الاستعمارية بحاجة إلى كمية هائلة من الحديد، بلغت 10100 طن، قامت باستخراجها وسرقتها من الجزائر، وبالتحديد من مناجم  زكار وروينة في مليانة التي تتوفر على حديد عالي الجودة. تم تحويل كمية الحديد إلى 18038 قطعة حديدية و2.5 مليون مسمار مشكلا بذلك “برج إيفل” الشهير.

تم إنشاء البرج في مدة عام و6 أشهر حيث شارك في بنائه 50 مهندسا و300 عامل وبلغ ارتفاعه أكثر 300م وافتتح رسميا في 31 مارس 1889، ليكون أطول برج في العالم ويبقى كذلك مدة 41 سنة إلى غاية 1930 تاريخ بناء مبنى Crysler كرايسلر في نيويورك الذي فاقه ارتفاعا.

الفرنسيون عارضوا تشييد البرج

وصفت نخبة فرنسا البرج بالمثير للسخرية، وعندما بدأ بناء البرج قامت مجموعة من الفنانين والنحاتين والكتاب والمهندسين المعماريين الذين وصل عددهم إلى 300 شخص بإرسال عريضة إلى مفوض معرض باريس، يتوسلون فيها بوقف البناء المثير للسخرية وجاء فيها: “نحن الكتاب والرسامون والنحاتون والمعماريون والمخلصون الشغوفون بجمال باريس العظيم، نحتج وبكل سخط باسم ذوق باريس الراقي على برج إيفل الوحشي .. ولتوضيح مقصدنا أكثر تخيل للحظة، برج سخيف طائش يهيمن على باريس مثل مدخنة سوداء عملاقة ويسحق تحت كتلته الهمجية نوتردام، طريق سان جاك، متحف اللوفر، قبة لي الانفاليد وقوس النصر، وكل آثارنا سوف تختفي في هذا الحلم المروع .. سنرى امتدادا مثل لطخة الحبر، ظل بغيض لعمود بغيض من الصفائح المعدنية”، ولكن احتجاجهم لم يلق آذانا صاغية واستكمل البناء.

لم يلق “برج إيفل” ترحيبا من طرف عموم الشعب والمثقفين حيث أطلقوا عليه عدة ألقاب مثل “مصباح شارع مأساوي”، “قمع مزروع على مؤخرته” و”خضار اسبارجاس معدني”، كان البرج سيفكك سنة 1909 ولكن نظرا لارتفاعه الشاهق كان مفيدا في الإتصالات لذلك ظل موجودا. يغطى البرج بـ60 طن من الدهان كل 7 سنوات لحمايته من التآكل، وهو مطلي بثلاث درجات من الألوان الداكن في الأسفل والفاتح في الأعلى.

وشهد البرد عدة أحداث، فقبل تسليم باريس للألمان خلال الحرب العالمية الثانية، قام الفرنسيون بتخريب مصاعد البرح حتى لا يتمتع الأعداء بالمنظر ولكن هتلر تسلق البرج على قدميه. في سنة 1912 قفز مطور مظلات القفز من الطابق الثالث لتجربة اختراعه ولقي حتفه، مع العلم أنه وبالرغم من ارتفاعه الشاهق شخص واحد فقط توفي أثناء عملية البناء. شهد أيضا البرج زيارة توماس أديسون، وأعجب به كثيرا حيث كتب في كتاب “الضيوف”: “مسيو إيفل لك كل التقدير والإحترام من كل المعماريين بما فيهم المعماري الأعظم توماس أديسون”.

بلغ عدد زوار “برج ايفل” الذي صنعته فرنسا من حديد مدينة مليانة الجزائرية، أكثر من 250 مليون زائر، ويقدر عدد زواره بـ7 ملايين زائر سنويا، أما عدد العاملين القائمين عليه فيبلغ 500 عامل.

حول الكاتب

مريم مسعودي