دراسة وتعليم

لماذا يتعرض المعلمون للإكتئاب؟

اكتئاب المعلمين
الكاتب مريم مسعودي

لماذا يتعرض المعلمون للإكتئاب؟

في كرة القدم يمدح الجمهور اللاعبين في حالة الفوز وينتقدون المدرب في حالة الخسارة، وفي التعليم أيضا يشيد الجميع بالتلميذ اذا نجح ويلام المعلم إذا فشل.

وتكثر الإنتقادات الموجهة ضد المعلمين من التلاميذ وأولياؤهم والصحافة والحكومة مع كل موجة جديدة من الإضرابات أو مع كل حادثة منفصلة لضرب تلميذ والتسبب له بإصابة، وتطالهم اتهامات بالإهمال وعدم تقدير المسؤولية وكذا اتهامهم بالجشع وحب المال!

ولكن التعليم ليس مهنة سهلة أبدا، إنه من أكثر المهن إجهادا وأقلها أجرا وأكثرها تعريضا للإكتئاب والأمراض المزمنة.

الصعوبات والتحديات التي يواجهها المعلمين

في هذا التقرير نستعرض الصعوبات التي تواجه المعلم والتحديات التي تواجهه وكيف يتعامل معها. عادة ما يتناسى الناس أن التعليم هو عبارة عن منظومة فيها العديد من الفاعلين وما المعلم إلا الحلقة الأخيرة فيها، وربما يعود سبب انتقاده كون التعامل المباشر مع التلاميذ يقع على عاتقه، من خلال تقديم الدروس، التربية والمراقبة المستمرة.

في الجزائر، يقوم المعلمون في المرحلة الابتدائية بتدريس أكثر من 5 مواد يوميا، وهذا يفرض عليهم تحضير وكتابة خمس مذكرات والإلمام بها جيدا، وفي ظل تطبيق المقاربة بالكفاءات يتوجب عليهم إلقاء الدرس والحرص على أن يفهم جميع التلاميذ وحل التمارين مع التصحيح الفردي لكل تلميذ. مع الأخذ في عين الإعتبار أن الحجم الساعي للحصة الواحدة 45 دقيقة مع وجود 42 تلميذ في القسم! منهم المشوش وضعيف المستوى، والمعلم مطالب أن يراقبهم فردا فردا.

ومع انعدام الإمكانيات في كثير من المؤسسات يتعين على المعلم تحضير الوسائل التعليمية المصاحبة للدرس خاصة في المادة العلمية، ناهيك عن اجبارية متابعة الأعمال الكتابية للتلميذ وتصحيحها كلمة كلمة مما يستهلك كثيرا من الوقت والجهد، ولا ننسى اعداد الإختبارات وتصحيحها وحضور الندوات والدورات. كل هذه المسؤوليات لا يمكن للمعلم انجازها خلال اليوم الدراسي، فيجد نفسه مجبرا على اكمال عمله في البيت،  ويتكرر الأمر في كل يوم جديد. وربما المعلم هو الموظف الوحيد الذي لا ينتهي عمله بانتهاء ساعات المداومة ومغادرة مكتبه، بل يتبعه عمله إلى البيت.

محاكمة المعلم باستمرار

فوق كل ما سبق ذكره، وإلى جانب ضغوطات العمل التي تولد الاكتئاب والأمراض المزمنة، فإن المعلم معرض باستمرار للمحاكمة من قبل أولياء التلاميذ والإدارة في حال ارتكاب أي خطأ مهما كان صغيرا. وفي حال وجد وقع المعلم في مشكلة مع ولي تلميذ من بين الأكثر من أربعين تلميذ في قسمه، فإن الإدارة تكون غير مسؤولة عنه، وإذا اتخذ قرارا بمعاقبة تلميذ لتقويم سلوكه السيء فانه يتحمل تبعات قراره وحده في حال اشتكى الأولياء، وإذا لم يفعل المعلم وترك التلميذ وشأنه، يتم انتقاده وتذكيره بأن واجبه التربية قبل التعليم وهذا يقتضي تقويم السلوك الخاطئ للتلميذ.

عند تقديم شكوى من قبل الأولياء، يوجه استدعاء فوري للمعلم من الإدارة، ويجد نفسه في موقف المتهم ومطالب باثبات براءته، ومع أنه يملك دائما مبررا للعقاب الذي قام به كأن يكون التلميذ تلفظ بألفاظ سوقية، أو أساء لزملائه، فإن تبريراته لا تنفع وتنتهي محاكمته في أحسن الأحوال بتلقي تحذير شديد اللهجة.

داخل هذا الضغط اليومي يتخبط المعلم، وإذا كانت الدراسات الأمريكية تشير إلى أن المعلمين وبخاصة معلمي الإبتدائي هم الأكثر عرضة لأمراض السكر وارتفاع الضغط ويعانون من أعراض الإكتئاب كضعف الشهية والأرق والإرهاق الدائم، رغم الامكانيات التعليمية المتوفرة بها، فكيف يكون وضع المعلم الذي يدرس 40 تلميذ في الجزائر.

ومع أن التدريس يصنف على أنه من أكثر المهن إجهادا ففي الوقت الذي يمكن للمهندس مثلا أخذ استراحة عند التعب يتوجب على المعلم البقاء في الفصل ومواصلة الشرح مهما كان، فإن أجور المعلمين تبقى متدنية مقارنة بباقي المهن، ما يسبب عامل ضغط اضافي على المعلم.

ويشير تقرير مركز أبحاث التعليم العالي لجامعة شيكاغو الأمريكية أن الجزائر تتذيل الترتيب من حيث أجور المعلمين مقارنة ببعض الدول العربية والغربية بمعدل 345 دولار شهريا أي ما يعادل 4 ملايين سنتيم، في حين تحتل قطر المرتبة الأولى بـ 7800 دولار أي ما يعادل 80 مليون سنتيم، أما المغرب فيقدر ب 5 ملايين سنتيم وقد تصل إلى 9 ملايين بعد 13 سنة تدريس، أما الدول الغربية تتصدرها اليابان ب 7780 دولار أي 78 مليون سنتيم وفي الهند وأمريكا يقدر ب 6000 دولار ما يعادل 60 مليون سنتيم.

ليس من المبالغة القول اذن بأنه إذا كان المعلمون بصفة عامة عرضة للاكتئاب والأمراض المزمنة فإن المعلم في الجزائر أكثرهم عرضة لهذه الأمراض على الإطلاق.

 

حول الكاتب

مريم مسعودي