علوم وتكنولوجيا

الجزائر خارج الثورة الصناعية الرابعة

اختار منتدى “دافوس” العالمي الثورة الصناعية الرابعة، شعارا لدورته الـ46، التي بدأت قبل خمس سنوات من الآن في ألمانيا. وستغير هذه الثورة الكثير من تفاصيل الحياة البشرية، باعتمادها على تطوير منصات تكنولوجية على الهواتف الذكية التي خلقت طرقا جديدة لاستهلاك السلع والخدمات.

وكان البروفسور كلاوس شواب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس”، أصدر كتابا حول “الثورة الصناعية الرابعة”، وصف فيه ما يتعلق بهذه الثورة وملامحها في المستقبل، وتأثيراتها على البشرية، التي جاءت بعد الثورة الصناعية الأولى التي تميزت ببدء مرحلة الإنتاج الآلي، والثورة الصناعية الثانية أواخر القرن التاسع عشر وتميزت بظهور الكهرباء وتضاعف الإنتاج في المصانع، بينما الثورة الثالثة تميزت بتطور الإلكترونيات والحواسيب المركزية.

 

ومن المنتظر أن تحدث الثورة الرابعة قفزات معرفية، في مجالات الهندسة الجينية والمعلوماتية، الذكاء الصناعي، والحوسبة والبيانات الضخمة، والتطور التكنولوجي المذهل، حيث وصف الخبراء السيارة بأنها أصبحت كمبيوتر يسير على أربع عجلات، لأن أغلب مكوناتها الكترونية، في حين أعلنت شركة “أيبول” و”غوغل” عن تجربتيهما في صناعة السيارات ذاتية القيادة، ما يشير إلى أن شركات التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تتحول إلى شركات للسيارات وتفرض تحديا كبيرا للشركات التقليدية.

 

وترتبط هذه الثورة بتقنيات مادية ورقمية وبيولوجية. المادية مثل السيارات ذاتية القيادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والروبوتات المتطورة، أما التقنيات الرقمية فتعمل على خلق مقاربة جديدة جذرية في الطريقة التي يتعامل بها الأفراد والشركات، وتتلخص هذه التقنية في “إنترنت الأشياء”، التي أصبحت ممكنة من خلال التقنيات المتصلة والمنصات الإلكترونية كبيرة التي تدير رؤوس أموال، مثل “أوبر” أكبر شركة سيارات أجرة في العالم لا تمتلك أي سيارة و”فيسبوك” أشهر منصة إعلامية لا تنشئ أي محتوى وموقع “علي بابا” أهم موقع بيع للتجزئة لا يملك مصانع.وفيما يخص التقنيات البيولوجية فتتمثل بشكل أساسي في التطورات الحاصلة في علم الوراثة.

 

وعلى غرار ألمانيا التي قامت منذسنة 2011، بإطلاق خطة من قبل رجال أعمال وسياسيين وأكاديميين متعلقة بالثورة الرابعة، الذين قاموا بتعريفها على أنها وسيلة لزيادة القدرة التنافسية للصناعات التحويلية في ألمانيا من خلال زيادة دمج “الأنظمة الإلكترونية الفيزيائية” في عمليات التصنيع. استعد أيضا أكثر من نصف سكان الصين للثورة في الخطة الخماسية الـ13 للصين، تلخص مسار التنمية للسنوات الخمس التالية مع النمو المدفوع بالابتكار والتنسيق والتنمية الخضراء والانفتاح والتشارك. وسخرت سنغافورة وبرشلونة هذه العلوم في خدماتها العامة لاسيما في مجالات ركن السيارات والإنارة وجمع القمامة.

ماذا عن وضع الجزائر؟

استعداد الدول للثورة الصناعية الرابعة، يرتبط أساسا بتطور البنى التحية للرقمنة التي تقوم عليها، وعلى هذا الأساس فان الامكانيات المتواضعة للدول العربية بصفة عامة والجوائر بصفة خاصة، يجعل من الصعب الحديث عن استعداد  البلاد لمثل هذه الثورة، حيث تشير الاحصائيات أن عدد المتصلين بشبكة الإنترنت في عام 2005 في الوطن العربي بلغ 25.3 مليون مستخدم، أما في نهاية عام 2014، فقد فاق استخدام شبكات التواصل الاجتماعي أكثر من 85 مليون مستعمل للفيسبوك، و6 ملايين لشبكة تويتر، وفي الجزائر وصل عدد مستخدمي الفيسبوك إلى  6.8 مليون خلال نفس السنة، لكن يجب أن نشير إلى أن الشبكات الاجتماعية لا تشكل في الثورتين الصناعيتين الثالثة والرابعة إلا الجزء الجليدي الظاهر منها، وضعف تدفق الأنترنت يمثل تحديا كبيرا لكليهما.

وحسب تصنيف الاتحاد الدولي للاتصالات لسنة 2015،  من حيث تنمية وتطوير مؤشر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تحتل الجزائر المرتبة 113، أي أن البلاد مازالت بعيدة عن الرقمنة. ويبدو من غير المنطقي الحديث عن التنمية الرقمية في الوقت الذي مازالت فيه الجزائر تواجه تحديات التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية والبشرية بشكلها التقليدي. ورغم وجود جهود ووعود بتحسين توصيل الإنترنت، وبداية الاهتمام بتطوير المنصات الالكترونية من قبل الشباب الجزائري الطموح الذي يتوجه نحوالتكنولوجيا بشكل يبقى جد محدود، إلا أنه من المستبعد أن نتخيل أن الجزائر على أبواب الثورة الصناعية الرابعة القائمة على “إنترنت الأشياء”، التي تجعل ضوء الغرف يشتعل ذاتيا، السيارات أيضا تعمل ذاتيا، عندما تنفذ بطارية الهاتف تتم عملية استبدال البطارية داخليا، المصانع  تدير نفسها بشكل كامل، انتشار المدن الذكية والأموال الالكترونية.

إن هذا الوضع يجعل الجزائر بعيدة عن الثورة الصناعية الرابعة بمفهومها القائم على تصنيع  كل ما يحتاجه المستهلكون حسب طلباتهم ومن أجل زيادة رفاهيتهم، من خلال زيادة دمج أنظمة آلات يتم التحكم بها إلكترونياً. هذه الأنظمة تمثل آلات ذكية متصلة بالإنترنت، تقوم بعمليات الانتاج بأقل قدر من الأخطاء، ويمكنها أن تغير بشكل مستقل وذاتي أنماط الانتاج وفقا للبيانات الخارجية التي تحصل عليها مع احتفاظها بدرجة عالية من الكفاءة. مثل فكرة تصميم الخدمات الموجهة، كأن يقوم الزبائن أنفسهم باستخدام إعدادات المصنع نفسه لإنتاج منتجاتهم الخاصة من خلال دخولهم على تطبيق المصنع على هواتفهم الذكية وإعطائه مواصفات المنتجات التي يريدونها ليقوم بتصنيعها، وتصبح في هذه المرحلة المنتوجات مصنعة بشكل خاص بكل مستهلك على حدى، وفقا لمتطلباته والبيانات التي قدمها.

حول الكاتب

هيئة تحرير أقلام